فرضية جديدة لتاريخ منطقة الجزيرة العربية بعد اكتشاف كتابات قديمة على صخور أثرية في الأردن

قام بيت المحتوى بترجمة ونشر هذا البحث اللغوي الجديد للكاتب الياس مهنا، آملين أن تساعد دراسة أصول لغتنا العربية في تطويرها لمواكبة العصر والتخلص من الممارسات القديمة في عالم المحتوى العربي. محتوى المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي بيت المحتوى بل يعبر عن رأي الكاتب.


ظهرت قبل بضع سنوات مجموعة صخور تحمل نقوشات قديمة أثارت اهتمام المجمّعات اللغوية حول العالم، وخاصة أحمد الجلاد، أستاذ اللغة العربية واللغات السامية في جامعة ’لايدن‘ بهولندا، والذي استلم صوراً لمجموعة الصخور من أستاذه مايكل ماكدونالد. ومن بين تلك الصخور، لفتت صخرة صغيرة اهتمام الجلاد إذ كانت مغطاة بعلامات تشبه أحرف الأبجدية الرونية،

مرسومة بأسلوب كتابة يدعى "البوستروفيدون"، وفيه تتناوب بداية كتابة الكلمات في الأسطر مرة من اليمين ومرة من اليسار. كانت تلك النقوش عبارة عن حروف من الأبجدية الصفائية التي شاع استخدامها في شمال شبه الجزيرة العربية منذ ألفي عام، ويعتبر كل من الجلاد وماكدونالد من قلائل اللغويين اللذين يجيدون قراءة هذه الأبجدية. بدأ الجلاد بنسخ النص، وخلال بضع دقائق، اكتشف أن تلك الصخرة تشكل قطعة مفقودة مهمة للغاية لحل اللغز التاريخي الذي ما انفكّ يعمل عليه لسنوات.

ولطالما اكتنف تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل فجر الإسلام غموض كبير، وذلك بسبب شح المصادر المكتوبة، ما خلا بعض النصوص التي تصف فترة ما بعد بعثة النبي محمد. ولطالما اعتقد المؤرخون لزمن طويل أن البدو الرحل الذين عاشوا في المنطقة نظموا أجمل القصائد الشعرية التي توثق أعمال ومنجزات القبائل، ولكنهم افتقدوا نظام الكتابة الذي ييتح لهم تدوينها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أحرز العلماء في السنوات الأخيرة تقدماً كبيراً في شرح كيفية استخدام أوائل الناطقين باللغة العربية للحروف الأبجدية التي استعاروها من اللغات الأخرى لتدوين خطاباتهم. واُقتبست هذه الحروف الهجائية من الأبجديات اليونانية والآرامية والصفائية.

وكانت النص المنقوش على صخرة ماكدونالد واحداً من ضمن ما يزيد على خمسين ألف نص مشابه عُثر عليها في المناطق الصحراوية جنوب بلاد الشام. ومن حيث الشكل، فإن النصوص المكتوبة بالحروف الرسومية الصفائية لا تشبه على الإطلاق النصوص العربية ذات الأحرف المتصلة ببعضها ذات الرسم سلس. أما عند قراءتها بصوتٍ مسموع، يمكن تمييزها كشكل من أشكال اللغة العربية القديمة التي يمكن -مع ذلك- للناطقين باللغة المعاصرة فهمها إلى حد كبير.

وحملت النقوش على صخرة ماكدونالد اسم شخصٍ يُدعى (غيّار آل ابن غوث)، بالإضافة إلى حكاية ودُعاء. وكانت الحكاية هي ما لفت انتباه الجلاد في واقع الأمر؛ إذ حينما قرأها بصوتٍ مرتفع، لاحظ وجود سلسلة من الكلمات المكرَّرة لثلاث مرات، رجَّح أنَّها لازمة شعرية تتكرر ضمن القصيدة، وهو ما يؤهّل هذه الحكاية لتكون أقدم تعبيرٍ أدبي مُسجَّل ومعروف في اللغة العربية، وكذلك دليلاً -رغم عدم كونه حاسماً- على تقليدٍ شعري مكتوب لم يُكتشف من قبل.

من هو الجلاد؟
وُلِد الجلاد في مدينة سولت ليك سيتي الأميركية. وهو ابن مهاجر أردني تزوج فتاة من ولاية تكساس خلال دراسته في جامعة ’ويبر ستيت‘ في ولاية يوتاه. انتقلت العائلة إلى الكويت عام 1989، لكنها عادت إلى الولايات المتحدة بعد عامٍ، جرّاء اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرَّت قرب مدينة تامبا في ولاية فلوريدا. وقال الجلاد: "لم نكن نتحدث العربية في المنزل؛ لأنَّ والدتي لا تفهمها، وكانت صلتي الوحيدة بالشرق الأوسط هي الكتب التي تتناول الحضارات القديمة".

خلال سنين المراهقة، شُغف الجلاد بقراءة كتاب ’طوفان نوح‘، وكان أحد الكتب المفضّلة لديه، ويعتبر هذا الكتاب دراسة تناقش بأنَّ روايات الفيضان الواردة في الكتاب المقدس، وملحمة جلجامش وغيرها من النصوص القديمة، استُلهِمَت من واقعة فيضان البحر الأسود التي حصلت سنة 5600 قبل الميلاد. وقال الجلاد: "سحرني وأدهشني هذا العمل الذي يعد مزيجاً يجمع بين علم الآثار والجيولوجيا واللغات القديمة. وعلى الرغم من عدم تمكّني من التحقق من مدى صحة ودقة المعلومات الواردة علمياً، إلا أنها مع ذلك أثارت اهتمامي".

وأثناء سنوات دراسته في جامعة جنوب فلوريدا، حصل الجلاد على وظيفة في مكتبة داخل الحرم الجامعي وقرأ كل ما وقعت عليه يداه من مؤلفات حول حضارات الشرق الأدنى. وقال الجلاد: "حاولتُ تعلم اللغة الأكادية حتى أتمكن من قراءة النص الأصلي لملحمة جلجامش، لكني لم أحرز الكثير من التقدم". وفي هذا الصدد، راسل الجلاد أساتذة الدراسات السامية طالباً الإرشاد والنصح. واتفقوا جميعاً بردّهم بأن لا أحد يبدأ بالأكادية، بل يجب البدء بتعلُّم العبرية التوراتية القديمة والعربية الفصحى والسريانية أولاً. لهذا السبب قضى عامين انكب خلالها على دراسة هذه اللغات بنفسه في المكتبة، وبعد التخرُّج، حصل من جامعة هارفرد الأميركية على قبول في برنامج الدكتوراه في فقه اللغات السامية.

وأصبح الجلاد الآن أحد أبرز العلماء المختصين بدراسات اللغة العربية القديمة، ويترأس بعثات استكشافية في منطقة الشرق الأوسط. ولم تكن دراسة الإسلام المبكّر تعتمد تقليدياً على النقوش الصخرية، بل على السجلات والمصادر الأدبية التي جاء تأليفها بعد بضعة قرون من وفاة النبي محمد؛ وهي منهجية بحث يشبهها الجلاد بقراءة تاريخ أمريكا الشمالية بالكامل من منظور المستوطنين الأوروبيين الأوائل.

ويُعرب الجلاد عن ثقته في قدرة العلماء قريباً على معرفة بدايات تاريخ الإسلام، مستخدمين في ذلك أدلة تعود لفترة مولد الرسول، حيث قال: "سنجد نصوصاً تعود إلى الفترة التي عاش فيها النبي محمد، وكلي ثقة في هذا الأمر. إنَّها مسألة وقت لا أكثر"

وبدأت جهود تفسير رموز نصوص الصَّفائية في ربيع عام 1857، حين انطلق شاب اسكتلندي يُدعى سيريل جراهام من القدس في جولةٍ يطوف فيها منطقة سوريا الطبيعية. وكحال الكثير من الأوروبيين الذين يزورون الأرض المقدّسة، كان جراهام مهتماً بالآثار الوارد ذكرها في الكتاب المقدس، والتي كتب عنها عام 1858، واصفاً إياها بأنَّها ستُقدّم البرهان القاطع على "الدقة الراسخة للمؤرخ الديني". وخلال سفره عبر الصحراء، عَلِمَ من المرشدين البدو بوجود مرتفع بركاني يُطلق عليه اسم الحارة، يتميز بوجود بنقوش غريبة محفورة على الصخور. ثم قاده المرشدون إلى أطراف الصفا، وهي منطقة بركانية جنوب شرق دمشق. وبعد هبوط الليل، غادر جراهام المخيم أثناء نوم المرشدين، واكتشف ليلاً على ضوء القمر سهلاً مغطى بصخور تحمل نقوشاً أثرية.

وقال جراهام في مذكراته: "تأملت تلك الصخور الرائعة، وحاولت أنَّ اتخيل طبيعة الناس الذين عاشوا هنا منذ قرون مضت وانهمكوا في نحت هذه الرموز الغامضة. وحاولت استنباط أي معنى لتلك النقوش؟".

وأعلن اكتشافه في ’الجمعية الجغرافية الملكية‘ في بريطانيا، وأعقب ذلك بعثات استكشافية أخرى. وفي عام 1877، نجح مستشرق من مدينة إدرنة إبان الحكم العثماني في فكّ رموز قسم كبير من الأحرف الأبجدية، ليساهم بشكل جزئي في توضيح الغموض الذي يكتنف لغة النقوش. ولكن حتى مع توضح النص، ظل تفسيره لغزاً. وفي هذا الصدد، قال الجلاد: "عمل الباحثون الأوائل على النقوش الصخرية بأسلوب انطباعي بعض الشيء. كانوا يعتمدون تقريباً على قواميس اللغة العربية الفصحى، لفكّ شيفرة النصوص، أو يسألون البدو في المنطقة عن معاني الكلمات وهو أمر أسوأ.

وفي عام 1899 استكمل إينو ليتمان، المستشرق الذي زار سوريا برفقة فريق من جامعة برينستون، فك الرموز الكتابة بالعمل على ما وجده على الصخور. وإلى جانب عشرات صفات التبجيل لله مثل: "الله الملك"، "الله الرازق"، وجد العملاء تعابيراً وألقاباً وأوصافاً أثارت حيرتهم واستغرابهم، مثل "تغيير الملابس الداخلية"، و"الموسوم على الخصية" ، و"قام وانتفض". هل يُعقل أن تمثل تلك العبارات ألقاباً قبلية؟ أم ربما تمت فك رموز الكتابة بطريقة خاطئة؟

وعلى مدار قرنٍ من الزمن، ظلت الصفائية تمثل لغزاً محيراً في علم دراسة النقوش العربية، وهو مجال غير معروف للكثيرين بالفعل. ولكن في العام 2007، حين وصل الجلاد إلى هارفرد، كان التصوير الرقمي يحقق نجاحات كبيرة في تبيان معاني النقوش، وازداد بشكل هائل عدد النصوص الصَّفائية التي اكتُشِفَت في الشام، متجاوزة بكثير كمية النقوش اللاتينية المُسجَلَة في بومباي، أشهر مصادر أدبيات الإمبراطورية الرومانية لفن الجرافيتي. حتى أنه تم العثور على بعض النقوش الصَّفائية على جدران خارج مسرح صغير في بومباي، من الأرجح أن أعضاء عرباً في الجيش الروماني قامو بنقشها. وجمع مايكل ماكدونالد مجموعة كبيرة من الصور لهذه النصوص، ودشّن قاعدة بيانات رقمية للنقوش الصَّفائية بمساعدة ليلى نعمة، وهي عالمة آثار فرنسية وواحدة من كبار خبراء العالم في النقوش العربية القديمة. وتذكر نعمة: "عندما بدأنا العمل، كانت مجموعة نصوص مايكل موجودة على بطاقات فهرسة. وساعد استخدام قاعدة البيانات في البحث عن سلاسل من الكلمات في المجموعة بأكملها ، ويمكنك دراستها إحصائياً".

وفي العام 2013، استخدم الجلاد قاعدة بيانات النصوص الصفائية بينما كان يعمل على نقشٍ يضمُّ الكثير من الكلمات الغامضة مثل: Maleh وDhakar وAmet. وافترض الباحثون السابقون أنَّ هذه أسماء لأماكن غير معروفة. ولكن الجلاد، والذي لم يكن مقتنعاً بهذا التفسير، بحث في قاعدة البيانات بأكملها واكتشف نقشاً آخر يحوي هذه الكلمات الثلاث. وكان النقشان يتحدثان عن الهجرة بحثاً عن الماء، لذا خطر على باله احتمال: إذا كان النصّان يشيران إلى مواسم الهجرة، فربما تكون هذه الأسماء الثلاثة هي لمجموعاتٍ نجمية كانت ظاهرة وقتها.

وبدأ الجلاد بجمع كل نقش يتحدث عن الهجرة بحثاً عن المطر، وسرعان ما أصبحت لديه قائمة طويلة من المصطلحات التي استعصت على الترجمة. وبمقارنتها مع الأبراج الفلكية اليونانية والآرامية والبابلية، بدأ الجلاد بالعثور على بعض مفاتيح الحل. فقد وجد أن كلمة Dhakar تتفق بشكل كبير مع dikra، وهي المقابل الآرامي لبرج الحمل. ووجد أيضاً أنَّ كلمة Amet مُشتَقة من فعل عربي، يعني "حساب أو قياس الكمية"، وهو مقابل جيد لكّفّتَيْ برج الميزان. وبحثاً عن برج الجدي، المجموعة النجمية التي تتخذ شكل سمك الحامر، اكتشف الجلاد كلمة يُحمُر في قاموس عربي إنكليزي لإدوارد لين، مُترجمة على أنَّها "حيوان معيّن في البحر، أو نوع من الماعز الجبلي". وقضى الجلاد وقتاً طويلاً في دراسة قاعدة البيانات والبحث عن الكلمات في قواميس اللغات السامية القديمة. ومع حلول صباح اليوم التالي تمكّن من فكّ رموز مجموعة فلكية عربية كاملة لم تكن معروفة سابقاً. وقال "كنَّا نظنها أسماء أماكن، وكانت كذلك إلى حدٍّ ما، فقد كانت أسماء أماكن في السماء".

وتسود في عالم الآثار مقولة أن علم الآثار يعني البحث عن الوقائع، لا الحقائق. وفي إعادة صياغة لتاريخ شبه الجزيرة العربية، طعن البحث الأثري في صحة بعض الروايات الراسخة لدى المسلمين حول ظهور الإسلام. إذّ أنَّ العصر، الذي سبق بعثة الرسول محمد، معروف في العربية باسم الجاهلية. وقال فريد دونر، المؤرخ بجامعة شيكاغو الأميركية: "إنَّ الرواية الإسلامية عن عصر الجاهلية هي ملحمة عن الوثنية المُتحَجِرة، ما يؤكد الاختلاف بين ظلام عدم الإيمان والنور الذي جاء به الإسلام لشبه الجزيرة العربية". يرى الباحثون من أمثال الجلاد ودونر أن هذا الرأي الذي لا يزال سائداً حتى اليوم هو ناتج عن آراء المفكرين المسلمين في القرون الوسطى الذين كتبوا التاريخ من منظور المعتقدات التقليدية المتحيزة للإسلام. ويجادل العلماء بأنَّ فترة الجاهلية كانت تملك على الأرجح نقاط مشتركة مع الإسلام أكثر مما كنا نعتقد سابقاً. ويقول دونر في هذا الإطار: "لديّ شكوك بأنَّ بعض الكتابات البدائية والتي نفترض أنَّها إسلامية – لأنَّها تستخدم لغة تبدو وكأنَّها تشير إلى القرآن – تعود في واقع الأمر لعصر ما قبل الإسلام. ربما هذه هي الطريقة التي تحدث بها الناس عن الدين في مهد الإسلام".

من ناحية أخرى، يشدد بعض الباحثين على ضرورة توخي الحذر. فبحسب بيتر ويب، عالم الأدب العربي الكلاسيكي في جامعة ’لايدن‘ الهولندية، فإن "أيّ معلومات يمكن أنَّ نحصل عليها من هذه النقوش الصَّفائية، حول القرون السابقة للإسلام، من شأنها مساعدتنا؛ لأننا نفتقر تقريباً لأيّ أدلة تجريبية".

ولما يمكن القول بأن الفكرة القائلة بأنَّ جوانب من الإسلام تعود جذورها إلى ثقافات عصور ما قبل الإسلام خاطئة تماماً؛ إذ يُلمِّح القرآن لوجود روابط بينه وبين الحنيفية، دين التوحيد الأول الذي اعتنقه إبراهيم عليه السلام. لكنَّ علم اللاهوت الإسلامي التقليدي، إلى جانب بعض الأبحاث العلمية الغربية، يرون في فجر الإسلام فصلاً تاماً عن ماضي العرب. ولكن بالنسبة للجلاد، فالدليل المنقوش، والذي يحوي العديد من الإشارات لأممٍ وأحداثٍ وأماكن تظهر في القرآن وغيره من الروايات الإسلامية الأولى، يُشير إلى العكس؛ أي إلى تطور الإسلام عن الأفكار والمُمارسات العربية القديمة، لا انفصاله عنها. وقال الجلاد: "تتشابه هذه الفئة من المجتمع إلى حدٍ كبير مع أتباع القرآن الأوائل. كما تُخبرنا النقوش عما كان عليه عالمهم".

ويتزامن البحث الذي أجراه الجلاد مع موجة الاهتمام الإقليمية بالكشف عن آثار العصور الأولى من التاريخ فيها. ففي وقتٍ سابق من العام الجاري، وقعَّت الحكومة الفرنسية مع المملكة العربية السعودية اتفاقية – يُشاع أنَّ قيمتها تبلغ أكثر من 20 مليار دولار- لبناء منطقة جذبٍ سياحية على أرض مستوطنةٍ في مملكة الأنباط القديمة. وسيستكمل هذا العمل موجة التنقيب التي بدأت في السعودية في الثمانينيات، مدعومة بالثروة النفطية ومدفوعة بالرغبة في إظهار امتلاك الدولة لماضٍ عريق في تاريخ ما قبل الإسلام. وعلق الجلاد على هذا الأمر قائلاً: "يبني السعوديون قصة لوطنهم، إذ يمنح هذا البحث شبه الجزيرة العربية وضعاً مختلفاً في الشرق الأدنى القديم، بحيث لا يعود التاريخ العريق الحافل حكراً لإيران، والعراق، وبلاد الشام التي كانت تحظى بحضاراتٍ عظيمة". هذا وقد استضافت العديد من دول الخليج العربي العديد من أعمال التنقيب في العقود الأخيرة؛ ووصف روبرت هويلاند، أستاذ علم الآثار في جامعة نيويورك، تلك الجهود باعتبارها رداً على عمليات البناء والتشييد في البلدان التي دخلت حديثاً عالم الثراء مثل دبي وقطر. وقال هويلاند: "تمتلك كل تلك الحكومات أموالاً لتنفقها، وكلها تريد أن تُثبت أنَّها أقدم وأكثر عراقةً من غيرها".

وبالطبع لن تُسرّ كل تلك البلدان بالكيفية التي يُعيد بها البحث الجديد كتابة المفاهيم القديمة؛ ففي علم التاريخ والمعتقدات التقليدية الشائعة، يُعتقد أنَّ جنوب شبه الجزيرة العربية هي الموطن الأول للعرب، ومصدر لأنقى صور اللغة العربية. وبحسب هذه الرواية، وُلدت اللغة العربية في عمق شبه الجزيرة وانتشرت مع الفتوحات الإسلامية؛ وباعتبارها حلقة وصل بين اللغات الأخرى، فقد انحدرت بشكلٍ تدريجي إلى اللهجات العربية السائدة اليوم. ولا تزال اللغة العربية الفُصحى الرمز البارز لثقافةٍ عربية موحدَّة، والمؤشر الأساسي على الفصاحة والتعلُّم. وبالنسبة للجلاد، تُشير النقوش الصفائية إلى أنَّ العديد من الأشكال القديمة للغة العربية كانت موجودة قبل عدة قرون من ظهور اللغة العربية الفُصحى، في دولٍ مثل سوريا والأردن. ويجادل الجلاد بأنَّ اللغة ربما تكون نشأت هناك ومن ثمَّ نزحت جنوباً، مُقترحاً أنَّ الأشكال "المُحرَّفة" من اللغة العربية المُتحدَّث بها في مختلف أنحاء المنطقة ربما – في الواقع – يكون لها جذورٌ أقدم من اللغة العربية الفُصحى. ويقول أن نظريته "ستقابل حتماً كثيراً من المعارضة، ولأسباب غير أكاديمية في الأساس. لكنَّها تدريجياً ستُصبح مُقنعةً أكثر فأكثر".

وحين أرسل ماكدونالد صورة الصخرة المنقوش عليها القصيدة الشعرية، أرفق معها إحداثيات تحديد الموقع الجغرافي، وقرر الجلاد البحث عنها. وفي أبريل من العام الماضي، رافقه كاتب هذه السطور، ويُدعى إلياس مهنا، إلى صحارى شرق الأردن، وانضمّ إليهم علي المناصر، وهو عالم آثار في جامعة أكسفورد، وشابٌ ريفي من بلدةٍ مجاورة، يُدعى أحمد. ويقول مهنا: بعد القيادة لعدة ساعات على طول الطريق الواصل بين عمان وبغداد، انعطفنا إلى جانب الطريق وأوقفنا الشاحنة. لم يكن هناك ما يُمكن رؤيته على امتداد أميالٍ سوى صخور البازلت رمادية اللون. وشرح الجلاد أنَّ النقوش تميل إلى التجمّع على أرضٍ مرتفعة، حيث يتسنَّى للرعاة البدو مراقبة السهوب المحيطة بسهولة. وفي مساحةٍ أرض طبيعية لا تحوي أثراً صغيراً آخر للحضارة الإنسانية، تكتنز الصخور أسماء البدو وأنسابهم، إلى جوار وصفهم لحيواناتهم، والحروب التي خاضوها، إضافة إلى رحلاتهم، وطقوسهم. وكانت هناك صلواتٌ لآلهتهم، ومخاوفٌ من قلة الأمطار، وشكاوى تتعلَّق بوحشية الرومان.

وفي وادٍ صغير، وبالقرب من قبر قديم محاط بركام من الحجارة، ومرعى صحراوي من نبات القراص والأزهار البرية الزرقاء الصغيرة، مشى الجلاد صوب لوحٍ من البازلت على شكل رأس سهمٍ ضخم ومُغطَّى بالنقوش.

وبينما كان أحمد على مقربة، جلس في وضعية القرفصاء وقرأ بصوتٍ عالٍ النقوش المكتوبة "Li ‘Addan bin Aws bin Adam bin Sa‘d, wa-ra‘aya ha-d-da’na bi-qasf kabir ‘ala akhihi sabiy "fa-hal-Lat fasiyyat. وتقول العبارة المكتوبة إنَّ حفيد رجلٍ يُدعى آدم جلس في يومٍ ما في هذا المكان، ورعى أغنامه؛ كان ينتابه الحزن لأجل أخيه الذي أسرَته قبيلة مُعادية، وصلَّى من أجل إطلاق سراحه للإلهة "اللات" –إحدى الآلهة التي عبدها العرب قبل الإسلام. وبينما يقرأ الجلاد النقوش، حدَّق الفلاح مُذهولاً من أنَّ تلك العلامات تُشكِّل لغةً يمكنه فهمها بصورةٍ أو بأخرى.

وعلى مدار ثلاثة أيامٍ، مشى أعضاء بعثة الجلاد عبر قمم التلال، مُسجلين آلاف النقوش الصفائية الجديدة. وحول ما تبقَّى من ركام الأحجار، كانت هناك نصوص محفورة في كل مكان، وفنٌ صخري أيضاً يشمل رسومات لأسودٍ تقفز على الخيول، ومُحاربينَ بحوزتهم أقواساً ورماحاً، وغزلان، ونعام، وراقصين مع المزامير. كانت النقوش، كما أوضح الجلاد، شكلاً من أشكال صناعة النصب التذكاري. وقال: "هي لا تبدو تذكارية لأعيننا، وذلك يعود إلى أن فكرتنا عن تلك الآثار مستوحاة من النموذج اليوناني – الروماني، حيث تكون النصب التذكارية أنيقة، وتأخذ شكلاً مُربعاً".

وعلى ما يبدو أنَّ المناصر، العالِم الأردني الذي قام بعشرات الرحلات في مختلف أنحاء المنطقة، لديه خريطة ذهنية للتلال التي تفقَّدها باحثون سابقون، تعود إلى القرن التاسع عشر. وفي مناسباتٍ قليلة، حين اقترح أحدهم التوجه لتلة قريبة، حدق المناصر بها وهزّ رأسه. وقال "نُشِرَت سابقاً". ورغم ذلك، فإنَّ الوعد بالتوصل لاكتشاف بدَّل تعابير وجه الجلاد. وقال لي المناصر في عصر أحد الأيام: "في الصحراء تشعُر بأنَّك إنسانٌ بالكامل. كل جزء في جسدك يعمل؛ تتضاعف حواسك، وتفكر، وتتحرَّك".

وفي اليوم الثالث، في مكان ليس ببعيدٍ عن ذلك القبر على قمة التلة، عثر الجلاد على نصٍ جاء في نهايته "نرجو ألاَّ تكون هذه الكتابة خفية". كان هذا توسلاً اعتيادياً إلى الله، لكنَّه سجَّل على الفور أنَّه كان يفقد أداةً نحوية مُحدّدة. وقال مُسجلاً ملاحظته "لم نرَ شيئاً كهذا من قبل". وبعد ساعاتٍ قليلة، وَجَد كلمة "intasa" والتي لم تظهر في الأرشيف (السجلات والوثائق التاريخية). وصاح بعدها قائلاً: "كلمة جديدة!". واقترح أبو بشَّار، السائق البدوي، أنًّها تعني "أن تُنسى بعد أن ذاع صيتك يوماً ما". وطلب منه الجلاد وضعها في جملة، رغم حذره من تكرار أخطاء أسلافه المتمثلة في الاستعانة بالبدو المحليين في تفسير الكلمات المُكتشفة.

وبمساعدة إحداثيات الموقع الجغرافي من ماكدونالد، عثرنا على القصيدة في قمة إحدى التلال. كانت محفورة على حجرٍ بحجم صندوق الأحذية، وكان أحد جوانبها مُغطَّى بالنقوش بكثافة. التقطها الجلاد ودرس خصائصها، مُتتبعاً الحروف بإصبعه ومقلّباً الصخرة بين يديه ليتبع النص. بدأت القصيدة بذكر نسب غيار آل ابن غوث، الذي "ترجَّل إلى المرج يبحث عن خاله". وفي منتصف النص كُتبت ثلاثة أبيات شعرية، قرأها الجلاد بصوت عالٍ، مرةً باللغة العربية، ثمَّ قرأها مُترجمة:

ليكن وقوفه فقط من أجل الحرب
وليكن هنا هذا اليوم المعسكر الأخير 
صيته الأهم!
وليكن هنا هذا اليوم المعسكر الأخير 
أولئك الذين يعودون وهم يُعانون
وليكن هنا هذا اليوم المعسكر الأخير
May his halting be only for war
So let here this day be the final encampment
Foremost fame!
So let here this day be the final encampment
Those who return suffer
So let here this day be the final encampment

حدَّق الجلاد بصمتٍ في الصخرة ثم أشاح بوجهه إلى أعلى، مُبتهجاً بالنصر. انحدرنا من التلة، متناوبين على حمل القصيدة، ووضعناها داخل الشاحنة، لأخذها إلى إحدى المتاحف في الأردن. وقال لي الجلاد: "إنَّه واحد من الأماكن الوحيدة في العالم، حيث يمكنك إجراء استكشافات أثرية بالغة، بمجرّد الذهاب في جولة، حيث الكنوز في كل مكان، ولست بحاجة للبحث والتنقيب عنها؛ بل ستجدها على مرأى عينك".

 

بقلم الياس مهنا
المصدر: The New Yorker - رابط المقال الأصلي
مصدر الصورة: الياس مهنا
ترجمة: عبدالرزاق يوسف - تدقيق وتحرير: نصر أنقر - بيت المحتوى