لغة برايل: حروف من نور أضاءت حياة الكثيرين

لغة برايل: حروف من نور أضاءت حياة الكثيرين

بقلم: محمد ابراهيم، محرر الجودة في بيت المحتوى

في 4 يناير 1809، وفي مدينة كوبفراي شرق العاصمة الفرنسية باريس، ولد لويس برايل الذي أحدث ثورة في عالم التواصل، وأسهم في صُنع نقلة حقيقية في حياة من فقدوا بصرهم وهو أولهم، حيث فَقَد وهو في الثالثة من عمره إحدى عينيه بعد إصابتها بآلة حادة، وبعد عامين فَقَد عينه الأخرى بسبب إصابتها بالرمد التعاطفي، وهو نوع من الإلتهابات يحدث بعد إصابة إحدى العينين بكدمة قوية، وكان لهاتين الحادثتين المؤلمتين دوراً كبيراً في إضاءة الطريق نحو اختراع عظيم ساعد المكفوفين وضعاف البصر على مواصلة حياتهم في مختلف ميادين الحياة، وخاصة في مجالات القراءة والدراسة.

وبعد فترة من هاتين الحادثتين، تمكن برايل وهو لا يزال صبياً صغيراً من التأقلم مع وضعه، وبدأ يتعلم السير على طرقات مدينته الصغيرة مستعيناً بعصا خاصة صنعها له والده، ولم يوقفه فقدان بصره عن إظهار مواهبه العلمية. وبسبب تفوقه حصل وهو في العاشرة من عمره على منحة من أحد معاهد المكفوفين المخصصة للمتفوقين في باريس.

كان برايل شخصاً ذكياً وهوباً، حيث تمكن من تطوير بعض الطرق لتعليم الطلبة المكفوفين القراءة في المعهد، ليستوحي منها فيما بعد طريقة  ’كتابة برايل‘ مستفيداً من طريقة تدعى ’الكتابة الليلية‘ ابتكرها الضابط في الجيش الفرنسي شارل شارل لقراءة الرسائل الحربية المشفرة، والتي يستطيع الجنود من خلالها التخاطب فيما بينهم في الأمور السرية دون الحاجة للكلام أو استخدام الضوء لقراءة محتواها.

وتقوم ’كتابة برايل‘ (وتكتب أحياناً لغة "بريل") على استخدام ست نقاط أساسية، ثلاثة على اليمين وثلاثة على اليسار، ومن هذه النقاط الست تتشكل جميع الأحرف والاختصارات والرموز. ومع تنامي استخدام أجهزة الكمبيوتر في عصرنا الحال، تم تطوير نظام كتابة ثماني نقاط يعمل على أجهزة الكمبيوتر، ليوفر بذلك مجالاً لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الإشارات والرموز، ولكن هذا النظام ظل مقتصراً على الكمبيوتر فقط. وقد استفاد المختصون بطريقة ’كتابة برايل‘ باللغة العربية من الأبحاث التي أجرتها الدول العربية في هذا المجال من حيث جعل الكتابة بهذه الطريقة أكثر سهولة لمستخدميها في العالم العربي.

هذا فيما يذهب البعض لاعتبار العربي زين الدين الآمدي، سابقاً لبرايل في تعليم القراءة للمكفوفين؛ لكونه أول من ابتكر حروفاً بارزة تساعدهم على القراءة. والآمدي هو من مواليد مدينة آمد التي كانت تقع بالقرب من ديار بكر شمال العراق، وانتقل إلى بغداد؛ فبقي بها إلى وفاته في القرن الرابع عشر الميلادي. وكان الآمدي شخصاً كفيفاً، إلا أنه لم يستسلم لذلك وسعى وراء العلم حتى أصبح مهندساً وفقيهاً. وفي سبيل بحثه عن المعرفة التي تساعده ومن خلال عمله في بيع الكتب، كان يأخذ بقطعة من الورق الخفيف ويقوم بفتلها بطريقة معينة لتأخذ شكل حرف أو أكثر من حروف الهجاء محدداً بها سعر الكتاب. وعمل على تطوير قدرته لدرجة أصبح يستطيع فيها معرفة نوع الخط وما إذا كان الكتاب لمؤلف واحد أو أكثر مهما تعددت أنواع الخطوط، كما كانت له القدرة على تحديد لون الحبر المكـتوب به.

 

وبالعودة إلى ’كتابة برايل‘، والتي يعتبرها معظم الأشخاص أنها لغة قائمة بحد ذاتها، إلا أنها ليست لغة بالمعنى الحرفي، بل هي عبارة عن نظام ترميز نافر يساعد على القراءة في العديد من اللغات مثل الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية، وعشرات اللغات الأخرى، حيث تستخدم هذه الطريقة للقراءة من قبل الآلاف من الأشخاص في أنحاء العالم في لغاتهم الأصلية، مما يوفر وسيلة فعالة للقراءة والكتابة للمكفوفين وضعاف البصر.

واحتفاءً بهذا الإنجاز الإنساني العظيم، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 161/73 في نوفمبر 2018، بإعلان يوم 4 يناير من كل عام يوماً عالمياً لطريقة ’كتابة برايل‘، حيث يوافق هذا التاريخ يوم ميلاد الفرنسي لويس برايل في عام 1809. ويأتي هذا الاحتفال بهدف تسليط الضوء على أهمية ’كتابة برايل‘، ولا سيما مع وجود تقديرات لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى وجود أكثر من مليار شخص يعانون شكلاً من أشكال إعاقة الرؤية، وهناك أكثر من 39 مليون شخص مصابون بالعمى، و253 مليون شخص يعانون من ضعف في الرؤية، وأنه يتوقع في عام 2020 ارتفاع نِسَب فقدان البصر إلى 75 مليوناً؛ منهم في العالم العربي 7 ملايين سيفقدون بصرهم أو سيعانون من إعاقة في أحد أشكال الرؤية.

وبدورها، قامت منظمة التربية والعلوم والثقافة ’اليونسكو‘ التابعة لهيئة الأمم المتحدة في عام 1951 بتوحيد الكتابة النافرة؛ بقدر ما تسمح به أوجه الشبه بين الأصوات المشتركة في اللغات المختلفة، ونتج عن هذه الحركة النظام الحالي للرموز العربية.

ونستعرض فيما يلي أبرز أساليب القراءة والكتابة بطريقة ’كتابة برايل‘:

تعتمد طريقة برايل على استعمال قالب واحد أساسي يُعرف بالخلية، حيث تتشكل هذه الخلية من مجموعة من الرموز التي تعكس الحروف والأرقام في لغة محددة، بالإضافة إلى علامات التشكيل والترقيم، وتتكون كل خلية من ست نقاط مرتبة في عمودين متجاورين، فيكون في العمود الأيسر النقاط 1، 2، 3، بينما يكون في العمود الأيمن النقاط 4، 5، 6، ويكون بعض هذه النقاط بارزاً أكثر من غيره طبقاً لطبيعة الحرف أو الرمز المكتوب.

ويتم قراءة المحتوى المكتوب بطريقة برايل على عكس أسلوب القراءة العادي باللغة العربية، حيث تبدأ قراءة الكلمات والأرقام من اليسار إلى اليمين، وهناك عدة طرق يستعملها المكفوفون للقراءة، حيث إنّ منهم من يستعمل إصبع السبابة والوسطى من اليد اليمنى للقراءة، ومنهم من يستعمل إصبع السبابة من كلتا اليدين للقراءة، ويختلف استعمال الطريقتين حسب ما يرغب به القارئ ويعتاد عليه.

ومن أهم أنواع الكتابة على طريقة برايل، هي طريقة اللوحة والقلم التي يُستعمل فيها اللوحة والمسطرة والقلم بالنسبة للمتعلم الجديد المبتدئ؛ والطريقة الثانية هي طريقة الآلة، والتي تعتبر أسرع وأسهل من طريقة اللوحة والقلم، كما أن الكتابة من خلالها تتم من اليسار إلى اليمين؛ حيث يتم استخدام الآلة الخاصة بطريقة بريل، وهي أمريكية الصنع تُعرف باسم ’برايل بيركنز‘. ومن مميزات الكتابة باستخدام هذه الآلة، أنها تُفسح المجال لمراجعة كل ما يكتب فيها.