الترجمة بين سلاسل التقليد وسلاسة العصر

يتخذ مفهوم الترجمة جملة واسعة من المعاني والتعريفات التي تصفها عموماً بالعملية الذهنية المبدعة التي تعيد ابتكار النص الأصلي المكتوب وفق ثقافة اللغة المستهدفة، مع الحفاظ على روح ذلك النص واتساق معلوماته وتحقيق أقصى قدر ممكن من النزاهة في نقل الرسالة المعنية من ذلك النص. فما هي الأدوات التي قد تساعد المترجم في تعزيز فاعلية حرفته وكفاءتها؟

يعود بزوغ فجر الترجمة إلى عدة قرون بعد ظهور النصوص المكتوبة، حيث لم يمتلك المترجمون آنذاك سوى الدواة والأقلام والأوراق، إلى جانب مهاراتهم اللغوية في ثقافة النصين الأصلي والمستهدف. وكغيرها من الحرف والمهن، يحتاج المترجم لتطوير أدواته المادية والمعرفية لتحقيق أقصى قدر ممكن من الحرفيّة. ويشير العديد من المترجمين في الوقت الراهن إلى حاجتهم لأدوات تعزز من استجابتهم للنصوص كبيرة الحجم مع الحفاظ على التناسق الدقيق للأسلوب والمصطلحات والمفاهيم؛ مما دعى إلى ابتكار أدوات برمجية متطورة للترجمة بمساعدة الحاسب تدعى CAT Tools، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: memoQ، Across، Transit NXT، وSDL Trados.

تجدر بنا الإشارة إلى أن برمجيات الترجمة بمساعدة الحاسب لا تؤدي أبداً دور المترجم، وإنما تعد بمثابة أدوات مساعدة تعزّز من قدرته على أداء مهمته بسرعة وسلاسة وقدر أكبر من الاتساق والدقة. وتبدأ هذه البرمجيات بتشكيل ما يسمى ’ذاكرة الترجمة‘ (TM) التي تمثل أكثر المزايا أهمية في برمجيات الترجمة بمساعدة الحاسب، وتتيح للمترجم إعادة استخدام سلاسل لغوية مترجمة في نص سابق ضمن أي عمل حالي أو مستقبلي مما يشير إلى العلاقة الطردية التي تربط ازدياد حجم هذه الذواكر بسرعة عملية الترجمة. وحتى قبل أن تبدأ عملية الترجمة، تقوم هذه البرمجيات بتقسيم نصوص العمل إلى أجزاء بناء على ضوابط محددة، وتحليلها، ومطابقتها مع ذاكرة الترجمة الموجودة، وتحديد الأجزاء الجديدة وتلك التي تتمتع بنسب تشابه معيّنة مع أجزاء نصية تمت ترجمتها سابقاً مع التنويه لنسبة هذا التشابه ومكامن الاختلاف والتشابه بين الجزئين. ويتم استعراض النصين الأصلي والمترجم جنباً إلى جنب لتعزيز سلاسة العمل وراحة المترجم. فما الذي قد يدفعنا كمترجمين نحو اعتماد إحدى هذه البرمجيات؟

على الرغم من المخاوف التي قد تعتري عدداً كبيراً من المترجمين التقليديين حيال اعتماد برمجيات الترجمة باستخدام الحاسب، إلا أنها تنطوي على فوائد ومزايا كثيرة ومهمة ذكرنا من بينها ذاكرة الترجمة ودورها في المساعدة على استكمال العمل بالسرعة والدقة الممكنتين. وعلاوة على ذلك، يتيح هذا النوع من البرمجيات قدرة كبيرة على تحقيق التناغم في المصطلحات المعتمدة، حيث يمكن لشركات الترجمة التأكد من قيام مترجميها باعتماد قائمة محددة (أو مسرد) من المصطلحات التخصصية في نصوص الترجمة الكبيرة التي قد تتطلب تضافر جهود أكثر من مترجم واحد، وتتيح لهم إمكانية البحث عن كلمة أو عبارة أو جملة أو حتى فقرة كاملة تمت ترجمتها في السابق والاستفادة منها. وهذا ينقلنا نحو الميزة التالية التي تتجلى في تعزيز إدارة المشروع، حيث تمكّن هذه البرمجيات قيام عدة أفراد بدور المراجعة والتدقيق والعمل على مستند واحد، بما يتيح للمترجمين والمحررين ومسؤولي ضمان الجودة ومديري المشروع العمل معاً بأسلوب أكثر فاعلية وكفاءة. من جانب آخر، توفر برمجيات الترجمة باستخدام الحاسب إمكانية ترجمة النصوص ذات الصيغ المختلفة والتي قد لا يمتلك المترجم البرمجيات اللازمة لفتحها والاطلاع على محتواها كبرنامج التصميم ’إنديزاين‘ (Adobe InDesign) على سبيل المثال لا الحصر. وفي مثل هذه الحالات، ينصبّ تركيز المترجم على المحتوى بدلاً من الانشغال بالتصميم أو البرمجيات المناسبة لتحرير النص الأصلي، مما ينعكس إيجابياً على معايير السرعة والاتساق.

وفي النهاية، ما زالت معظم البرمجيات حتى الآن تقف عاجزة أمام روعة إبداع العقل البشري في الترجمة. ومع ذلك، فإن المترجمين بحاجة إلى تطوير أدوات حرفتهم واعتماد برمجيات تعزز من كفاءة العمل وسرعة التنفيذ دون المساس بالتناسق الدقيق للأسلوب والمصطلحات والمفاهيم.