لمحة تاريخية عن الترجمة في العالم العربي

نبذة تاريخية

من الصعب تحديد البداية الحقيقية للترجمة كممارسة أدبية وثقافية، حيث أنها وجدت منذ أن وجدت اللغات المكتوبة وتمايزت، حتى أن نسخاً من ملحمة جلجامش السومرية وجدت مترجمةً إلى اللغات الآسيوية الشرقية في الألفية الثانية قبل الميلاد. كان اليونانيون القدماء أول من بحث في الترجمة بصفتها علماً قائماً بذاته، حيث ميز الباحثون اليونانيون مبكراً بين النقل الحرفي (metaphrase) وإعادة الصياغة (paraphrase)، وذلك منذ القرن السابع قبل الميلاد.

إلا أن الترجمة في تلك العصور كانت نشاطاً يقوم به العلماء والأدباء، بهدف نقل المعارف والأدبيات إلى لغة البلد الذي يعيشون فيه. أما الترجمة كمهنة قائمة بذاتها، فيعود الفضل في نشوئها إلى الدولة العباسية، فبالإضافة إلى الأثر التاريخي الكبير الذي تركه قيام عبد الله بن المقفع بترجمة كتاب كليلة ودمنة (حوالي 750 للميلاد) وإهدائه إلى الخليفة أبو جعفر المنصور، شهد القرن التاسع الميلادي ظهور حركة غنية للترجمة إلى اللغة العربية، مدعومة بشغف الخلفاء، وعلى رأسهم هارون الرشيد وابنه المأمون، بالعلوم والآداب. حتى أن المأمون كان يقدم للمترجمين، أمثال حنين بن إسحق، ما يساوي وزن الكتب التي يقومون بترجمتها ذهباً. وهكذا تم تأسيس دار الحكمة في بغداد كأول مؤسسة تعنى بشؤون الترجمة في التاريخ، ولمع نجم المترجمين المحترفين أمثال ثابت بن قرة وحنين بن إسحق وابنه إسحق بن حنين. قام المترجمون في ذلك العصر بنقل علوم اليونان إلى اللغة العربية، بما في ذلك كافة كتب أرسطو، وقد أعيدت ترجمة بعض هذه الكتب إلى اليونانية من العربية بعد ضياع نصها الأصلي، أي أن ترجمتها إلى العربية قد حفظتها من الاندثار، وكذلك كان الأمر مع كتاب كليلة ودمنة، الذي حفظته نسخته العربية من الضياع.

من أشهر الكتب التي تمت ترجمتها في هذا العصر بالإضافة إلى كليلة ودمنة، كتابا "الأخلاق" و"الطبيعة" لأرسطو (من ترجمة حنين بن إسحق)، وكتاب الشاهنامة للفردوسي، الذي ترجمه الفتح بن علي البنداري من الفارسية إلى العربية في القرن الثالث عشر.

علوم الترجمة وتقنياتها في ذلك العصر

مع انتشار الترجمة كمهنة مستقلة، شهد العصر العباسي أيضاً بداية النظر إلى هذه المهنة كعلم قائم بذاته، ويعود الفضل في ذلك إلى الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر)، الذي وضع أول كتاب عربي في علوم الترجمة وأصولها، وأسماه "آراء الجاحظ"، وكان ذلك في القرن التاسع الميلادي. يبدي الجاحظ في هذا الكتاب معرفةً عميقة بعلم الترجمة، ويقدم نصائح وإرشادات للمترجمين لا تزال صالحة إلى يومنا هذا، ويمكن تلخيص أبرزها بالتالي:

  • رأى الجاحظ أن المترجم الجيد يجب أن يكون على مستوى فكري لا يقل عن مستوى المؤلف، وأن يكون ذا دراية وعلم في موضوع النص المترجم، وإلا فلن تكون ترجمته دقيقة.
  • أكد الجاحظ على ضرورة معرفة المترجم باللغتين (المترجَم عنها والمترجَم إليها) معرفة تامة وكاملة لا يشوبها ضعف (ملاحظة من بيت المحتوى: يهمل بعض المترجمين في يومنا هذا هذه النقطة، حيث يكتفون بمعرفة اللغة الأصل دون الاهتمام بقواعد وأصول اللغة الهدف، وهو ما يسبب الكثير من الإشكاليات في عملية الترجمة والتحرير).
  • رأى الجاحظ أن الذين يمزجون في حديثهم بين لغتين ليسوا أهلاً للثقة، فهم في الغالب لا يتقنون أياً من اللغتين إتقاناً تاماً.
  • شدد الجاحظ على ضرورة سبك المضمون بأسلوب عربي سليم ليكون الكتاب كأنما كُتِب باللغة العربية.
  • شدد الجاحظ على أهمية الحذر الشديد عند ترجمة الشعر، لأن الترجمة تفقد الشعر الكثير من خصائصه وجمالياته.

ويمكن القول إن الترجمة في العصر العباسي اكتسبت شكلها وقالبها كمهنة مستقلة، وشهدت ممارسات خالدة في التاريخ، مثل الترجمة عن لغة وسيطة، كترجمة كتاب كليلة ودمنة عن اللغة الفارسية (بعد أن كان الطبيب الفارسي برزوية قد ترجمه من السنسكريتية إلى الفارسية في عهد كسرى أنوشروان ووزيره بزرجمهر). ومن الجدير بالذكر أن عبدالله بن المقفع دفع حياته ثمناً لترجمة هذا الكتاب، حيث أمر الخليفة بقتله عقاباً له على ترجمته*. ومن الممارسات الخالدة في ذلك العصر أيضاً وجود أكثر من ترجمة لنفس الكتاب، وتنافس المترجمين في الترجمة الأفضل، فعلى سبيل المثال، ترجم أبو بشر متى بن يونس كتاب "الشعر" لأرسطو، ثم ترجمه مرة أخرى يحيى بن عدي، وقد سعى يحيى لأن تكون ترجمته أكثر دقة وجمالية من الترجمة الأولى. كما شهد هذا العصر ازدهار الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى، وقد تحدث الأديب الألماني غوته عن فضل الترجمات التي تمت في ذلك العصر على الحضارة الغربية.

الترجمة في العالم العربي في العصر الحديث

شهدت حركة الترجمة ضعفاً كبيراً في العهد العثماني، حيث شجع العثمانيون على استخدام اللغة التركية بدلاً عن العربية. يعود الفضل إلى محمد علي باشا في إحياء حركة الترجمة إلى اللغة العربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو ما لعب دوراً هاماً في نهضة العلوم والآداب في مصر والعالم العربي. وكما أسس الخليفة المأمون دار الحكمة، أسس محمد علي دار الألسن عام 1835 كمؤسسة تعنى بشؤون الترجمة، وقد تولى الإشراف عليها الشيخ رفاعة الطهطاوي. ثم أتبع ذلك بتأسيس قلم للترجمة الرسمية عام 1841، وكان ذلك بداية عصر "الترجمة القانونية" الحديثة في العالم العربي.

عادت حركة الترجمة لتشهد نشاطاً كبيراً في عصر الخديوي اسماعيل، ولمع نجم أدباء ومثقفين كبار كمترجمين للأدب العالمي، ومنهم بطرس البستاني وابراهيم اليازجي ونجيب حداد، وهو أول من ترجم مأساة شكسبير الشهيرة "روميو وجولييت" إلى العربية.

ومن بين أهم أعلام الترجمة العرب في العصر الحديث، نجد سليمان البستاني (1856-1925)، الذي اشتهر بالترجمة عن أكثر من نص في آن معاً، حيث ترجم الإلياذة معتمداً على نصها في اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليونانية والإيطالية معاً، وقد عمل على ترجمتها لمدة ثماني سنوات. اشتهر أيضاً سلم قبعين (1870-1951) بترجماته عن اللغة الروسية، ومن بينها كتب تولستوي. عمل كبار الأدباء العرب في الترجمة أيضاً، ومن بينهم أحمد حسن الزيات والدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم ومصطفى لطفي المنفلوطي، واشتهرت مي زيادة بترجمة كتاب "الحب الأماني، من أوراق غريب" عن الألمانية، وقد صدر في اللغة العربية باسم "ابتسامات ودموع". ومن بين كبار العاملين في حقل الترجمة في ذلك العصر الدكتور سامي الدروبي، الذي يمكن القول أنه مؤسس مبادئ الترجمة العربية الحديثة.

يوضح ارتباط الترجمة بأسماء عملاقة كالتي ذكرناها وغيرها أهمية هذا المجال كعلم وممارسة من جهة، وكمهنة وصناعة من جهة أخرى. لم تعد الترجمة اليوم مجرد نشاط أدبي أو ثقافي، بل أصبحت ضرورة حياتية ومهنية وعلمية، تتطلب في كثير من الأحيان العمل المباشر على النصوص ضمن إطار زمني ضيق جداً، كما تطلب العمل في عدة مجالات أدبية وعلمية وتقنية معاً.

 

* كان غرض عبدالله بن المقفع من ترجمة كليلة ودمنة هو تقديم النصح للخليفة أبو جعفر المنصور بطريقة غير مباشرة، وقد رأى في الكتاب وما يحمله من قصص رمزية باستخدام حيوانات الغابة كشخوص في القصص خير طريقة للإصلاح السياسي والاجتماعي، إلا أن هذه الرمزية لم تنجه من القتل.