جادك الغيث إذا الغيث همى

 

في إحدى الجلسات العائلية مؤخراً، كنا نتحدث عن اللغة العربية وأفضالها والصعوبات التي تواجهها، وكانت فيروز على التلفاز تغني موشحها الأندلسي الأجمل "جادك الغيث"، وبينما كان والدي يدندن الشطر القائل "سدد السهم فأصمى إذ رمى"، تحدثتُ أنا عن مخاطر النظر إلى اللغة العربية على أنها اللغة الأكمل والأجمل في العالم، وأنها خالية من الثغرات وتامة بذاتها دون الحاجة للعمل عليها. حينها قال والدي: "وهل يمكن للإنجليز مثلاً أن يفهموا ما يقول شكسبير إذا ما نهض من موته اليوم، كما نفهم نحن ما قاله عنترة بن شداد قبل ألفي عام؟" فأجبته، شاكراً الصدفة السعيدة: "وماذا يعني سدد السهم فأصمى إذ رمى، وقد قيلت بعد عنترة بألف عام؟"

طبعاً كانت الصدفة إلى جانبي في هذه المفارقة، التي أثبتت بسهولة أن اللغة العربية قد تطورت طبيعياً كما تتطور جميع اللغات، وأن ضرورة الحفاظ عليها لا تعني جمودها ووقف حركتها مع العصور، بل تعني الحفاظ على جوهرها وتحضيرها للانطلاق نحو المستقبل. ولكن أصداء هذا النقاش الذي ربحته أمام والدي ظلت في رأسي: نعم، ربما تكون هذه النظرة إلى اللغة العربية، والتي أرضعنا إياها أساتذتنا الأجلاء صغاراً، العائق الأهم أمام تطور هذه اللغة وقدرتها على مواكبة العصر. أتذكر تماماً فخر مدرس اللغة العربية القدير في المرحلة الإعدادية بأن اللغة العربية قادرة على ابتكار مصطلحات مثل "الهاتف" و"المفك" للتعبير عن أدوات ظهرت في العصر الحديث، إلا أن سرعة ظهور كل جديد في يومنا هذا سبقت قدرة مجامع اللغة العربية ومرونتها لحصر المصطلحات وتعريبها، وصار من الضروري أن يكون التعريب اللفظي الخيار الأول وربما الأوحد، وهو ما صعّد بالتالي من الحاجة إلى تنظيم هذا الأسلوب في التعريب وترقيته ووضع الضوابط له، وهو ما دعونا مراراً في بيت المحتوى لتحقيقه.

نعم، لا شك أن لغتنا العربية تحمل مقومات التميز والكثير من المرونة لتستوعب علوم وآداب العصر الحديث، إلا أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نحن، القائمون على هذه اللغة، نتمتع بهذه المرونة والرغبة في الانفتاح نحو المستقبل، دون المساس طبعاً بجوهر اللغة وأساسها وروحها وهويتها. ولعل الخطوة الأولى في هذا السياق هي الفصل الواضح بين اللغة العربية الكلاسيكية (التي أعجزت والدي بموشح أندلسي) وبين اللغة العربية المعيارية الحديثة، التي نسعى أيضاً في بيت المحتوى لوضع تعريف واضح ومعايير مرنة لها. فمثل هذه الخطوة كفيلة بمنح المرونة اللازمة لقبول وتوحيد المصطلحات الجديدة، وبناء مخزون عصري وقابل للتطوير من التعابير والمصطلحات وأساليب الكتابة والكلام يساعد في السياق الحديث، مثل كتابة الرسائل الالكترونية أو الأخبار الصحفية أو التقارير الاقتصادية، بعيداً عن تقييد الكلاسيكية وأساتذتها.

ونحن لا نكشف سراً إن قلنا إن هذه المرونة كانت موجودة في الماضي، فهل ننسى أن اللغة العربية شهدت أول حركة ترجمة منظمة في التاريخ؟ وأنا القائمين على التراجم في تلك الأيام استوعبوا الكثير من المصطلحات الأعجمية في ذلك الوقت، واختاروا ما ارتأوه من أساليب التعريب اللفظي أو البنيوي ليقدموا لقراء لغتنا علوم الأرض. فكيف نعجز نحن عن ما نجح به أجدادنا منذ أكثر من ألف عام؟

نعم، فلغتنا تحمل من المرونة والجمال والقدرة على الاستمرار في المستقبل نفس القدر الذي نحمله نحن، المتحدثون بها والقائمون عليها، من المرونة والجمال والقدرة على البقاء في المستقبل.

ندعوكم جميعاً للمساهمة في هذه الجهود لبناء العصر القادم من اللغة العربية، ومنحها المرونة اللازمة لحمايتها من الضياع في زحام المستقبل.