مقومات المترجم الناجح من وجهة نظر محرر الجودة

مقومات المترجم الناجح من وجهة نظر محرر الجودة

لطالما راودتني رغبة في كتابة تدوينة حول مقومات المترجم الجيد والناجح. وبعد ما يقارب خمسة أعوام في مهنة الترجمة التي تخصّصت خلالها بوظيفة محرّر الجودة منذ حوالي السنتين، ربما أصبحت اليوم أكثر استعداداً لصياغة هذه التدوينة.

فقد كانت هذه المدة كفيلة لأدرك أن الترجمة من أكثر ميادين العمل تنوعاً وتجدداً؛ فهي تدور في عوالم غير محدودة من المحتوى الذي لا يمكن أن ينضب. كما ساهمت خبراتي المُكتَسبة على مدى هذه السنوات المتواضعة في صقل مجموعة من المهارات والمقومات لدي، والتي أودّ مشاركتها مع المهتمين في مجال الترجمة.

  • القراءة ثم القراءة: يمكن القول أنّ الرغبة وحدها في العمل بمجال الترجمة لا تكفي، فإبداع محتوى مُترجَم من لغته الأم إلى لغة أخرى بصورة احترافية ليس بالمهمة السهلة. لكن يمكن اكتساب المقومات الكفيلة بتحقيق ذلك، فمهنة الترجمة تشبه مهنة الكتابة التي يحتاج فيها الكاتب لقراءة الكثير من المؤلفات، أو الموسيقى التي تفرض على مبدعها امتلاك أذن موسيقية تلتقط جمال الألحان وتلمسه. بكلمات أخرى، يحتاج من يرغب في العمل بمجال الترجمة (الكتابة على وجه الخصوص) إلى الكثير من القراءة باللغتين المصدر والهدف، فذلك يساعده على أن يألف التراكيب والأسلوب والصياغة استعداداً لتسطيرها بأسلوبه الخاصّ. كما تقوّي القراءة من مهارات اللغات لديه لتحسين الفهم الصحيح للمعنى الكامن في النص الأصلي.
  • مهارات البحث: لا تقلّ هذه النقطة أهمية عن سابقتها، فإدراك الترجمة الحرفية لعبارة أو كلمة أمامنا لا يعني بالضرورة ترجمتها بأمانة ودقة إلى اللغة الهدف. فقد يصادفنا اسم لعلامة تجارية غير معروفة، ونجتهد بترجمته بشكلٍ لفظي دون البحث عن الاسم المعتمد من قبل العلامة ذاتها على موقعها الإلكتروني أو الاسم الوارد ضمن جهات موثوقة على الإنترنت، ممّا قد يوقعنا بخطأ فادح. أو قد يقع بين أيدينا خبر صحفي حول شركة أطلقت مبادرة معينة وطرحت شعاراً خاصاً بها باللغتين (المصدر والهدف). وفي حال لم تسعفنا مهارات البحث قد نقع في خطأ الخروج بترجمة غير دقيقة للشعار!
  • السعي نحو التطور الدائم: تعتبر الترجمة كغيرها من المهن الإبداعية التي يستطيع المترجم من خلالها تطوير أدواته والارتقاء بأسلوبه بعد مرور الزمن واكتساب الخبرات. وتعدّ مراجعة الملفات عقب تحريرها من أهمّ مفاتيح التطور بصورة سليمة، إذ تساعد هذه المراجعة على إدراك الأخطاء واكتساب المزيد من الانسيابية والسلاسة في الكتابة. كما يعتبر السعي إلى كتابة النص الأمثل من أبرز خصائص المترجم الناجح الذي لا يركن إلى الكسل ويقع في فخّ الرتابة. ولا ننسى التركيز على تجنّب الأخطاء الطباعية بشكلٍ مطلق.
  • الالتزام بالوقت: يقول المثل المعروف "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، وكذلك يمكننا القول بأنّ الوقت سيفٌ ذي حدين. فمن الجيد عدم التأخر عن مواعيد التسليم، لكن لا فائدة تُرجى من تسليم عملٍ دون المستوى المطلوب في الموعد المحدّد. لذا، من الممكن أن يطلب المترجم مزيداً من الوقت إذا كان الأمر ممكناً في حال عدم تمكّنه من إنجاز الملف الموكَل إليه بصورة مرضية. فالجودة تأتي دائماً وأبداً في البداية، ومن الأفضل تسليم عمل متقن بعد الموعد المحدد على أن يتم تسليم عمل مليءٍ بالعيوب في الموعد المقرّر.
  • بذل جهد إضافي: لا تقع على عاتق المترجم مسؤولية بذل جهد غير مطلوب أو المضي ميل إضافي كما يُقال بالإنكليزية (walk the extra mile). لكن يمكن للمسات أو لفتات بسيطة وإن كانت غير مطلوبة أن تصنع فارقاً كبيراً، كالإشارة إلى المحرّر في تعليق لتوضيح لبسٍ معين أو إدراج رابط من شأنه أن يسرّع عملية التدقيق.

 

وأخيراً، يُنصَح المترجم بالانتقال إلى مواضيع جديدة قد تفجّر لديه إمكانيات لم يكن يعلم بقدرته على الإبداع فيها، الأمر الذي سيوقد فيه الحماس مجدداً في هذه المهنة الاستثنائية والرائعة، ويدفعه قدماً كي يكون مترجماً من النخب الأول.

 

بقلم: نور إبراهيم، محررة الجودة، بيت المحتوى